أحمد بن سهل البلخي
527
مصالح الأبدان والأنفس
على متأمّل ، والتفكير في هذا ممّا ينفع في قمع الغضب منفعة ظاهرة . و « 1 » منها أن يفكّر الإنسان أنّ من يعتريه الغضب على من يملكه ويتبسّط « 2 » يده فيه ، ويحوز حكمه عليه من أتباعه وخوله ، بأنّه إذا كان متمكّنا بقدرته منه يتهيّأ له معاقبته متى أحبّ ذلك ؛ فليس لاستشاطته وتغيّظه وإيذاء نفسه بالغضب معنى ، بل الأعود عليه أن يسكّن نفسه من القلق والاستشاطة ، ويتربّص بما يريد الإقدام عليه فتور غضبه ، ثمّ يفكّر فيما أنكره ممّن أغضبه ، وينظر إليه بعين الإنصاف ، فيجعل مؤاخذته بحسب الاستحقاق ، وبقدر ما يجب ، فيجتمع له في ذلك أمران : أحدهما : تحصيل رتبة الحلم والأناة ، والآخر : بلوغ المراد في التغيير والإنكار متى أحبّ ذلك وآثره ؛ ولذلك قال أحد النّبل / من الملوك في هذا المعنى قولا أحاط بجوامع ما ذكرناه ، وهو قوله : ما غضبتي « 3 » على من أملك ؟ ! وما غضبتي على من لا أملك ؟ ! فهذه فكرة إذا خطرت بالبال أعانت على « 4 » قمع سورة الغضب . ومنها أن يفكّر في المقدم من الخول والأتباع على أمر ينكره منه لا يجوز أن يكون غرضه فيه مراغمته ، ولا الاستخفاف بقدره ، ولا احتقار شأنه ؛ إذ كان ممّا لا يسوغ للأتباع مع الرؤساء ، ولا الأصاغر مع الأكابر ، بل إنّما يحمل التابع على الذنب الذي يرتكبه إمّا شهوة غالبة لا يضبط معها نفسه حتى يقدم منها على ما ينكر فيه ، وإمّا تقصير تدعوه إليه شهوته وتوانيه « 5 » . وإنّ ما يرتكب من الذنوب بأحد هذين الوجهين فليس بعجيب ولا مستنكر ؛ إذ كان كلّ واحد منهما الأمر الذي لا يكاد يعرى منه أحد من تابع ومتبوع ، ورئيس ومرؤوس ، بل حقّه أن يرحم صاحبه على ضعف / نفسه ، وغلبة شهواته ، فإنّه إذا فكّر في
--> ( 1 ) ساقطة من ب . ( 2 ) تبسّط : انتشر ، وتبسط في البلاد : سار فيها طولا وعرضا ( المعجم الوسيط ب س ط 1 / 56 ) . ( 3 ) في ب : ما غضبي . ( 4 ) ساقطة في ب . ( 5 ) في أ : وتواتيه .